RSS

تــانـــغـــو

25 يناير

 

كارلوس ساورا .. يشكل هذا الاسم نموذجاً متفرداً ونادراً في تاريـخ السينما الإسبانيـة خصوصاً والأوربـية عموماً، تفرّد هذا الرجل

تأتــّى من خصوصية الحالة الإبداعية التي استطاع تشكيلها في زمن رزحت اسبانيا خلاله تحت حكم الدكتاتور فرانكو الذي سيطر

على مقاليد الحكم سنوات طويلة تعرضت خلالها أغلب المحاولات الإبداعية الاسبانية للوأد والخنق، بدءاً من اغتيال لوركا شاعر

اسبانيا العظيم مروراً بمصير العشرات من المبدعيـن الآخرين الذين لم يكن مصيرهم بأفضل حالاً مما آل إليـه مصير عندليب الأندلس،

ضمن هذا الجوّ كان من الصعب على رجل مثل كارلوس ساورا رسم طموحات وأحلام كبـيرة فاكتفى بمهنة مصوّر فوتوغرافي قبل أن

تقوده الصدفة إلى مدرسة الإخراج في مدريد مطلع الستينات، ليغدو وبشكل سريـع واحد من أهم المخرجيـن على الساحة

الأوربـية ، و الإسباني الوحيد في تلك الفترة الذي حظي إبداعه باعتراف وتقديـر دوليّ  من خلال ما حصدته أفلامه الأولى من جوائز

سواء في مهرجان برليـن أو مهرجان كان السينمائي الذي استطاع انتزاع ثقة محكميه مرتـين في ثلاث سنوات عن فيلميه

“أنجيليكا الأولى” و”نداء الغربان”.

موت فرانكو عام 1975 انعكس ايجاباً على الجوانب الإبداعية والفنية في البلاد ، والتأثر بالانفتاح الحاصل بداً جلياً من خلال تعاظم

مساحة حرية التعبير ، أضف لوجود المادة الخصبة المتوافرة من خلال تسليط الضوء على تلك الحقبة المظلمة في تاريخ البلاد،

وكانت تلك الفترة أكثر فترات ساورا نشاطاً عبر العديد من الأعمال التي قدّمها بدءاً من “عرس الدم” المقتبس من أعمال لوركا،

مروراً بـ “الحب المسحور”  و “كارمـن” المستوحاة من عمل الأوبرا الكلاسيكي الشهيـر .. تلك الأفلام كانت ضيفاً هاماً في أغلب

المحافل والمهرجانات الأوربـية، وبذات الوقت كانت تمهيداً لأجمل ما قدّم ساورا  .. ” تانغو “

 

فكرة الفيلم تعالج تـنـاول مخرج أرجنتيني  لعرض مسرحي والرحلة الطويلة التي رافقت هذا العرض الذي يكاد مخرجه يعجز عن

استكماله – في فكرة شبـيهة لحد ما بما قدّمه فدريكو فيلليني في فيلمه الشهيـر”ثمانية ونصف” – . أنغام التانـغو القادمة من بـين

ثـنايـا الألحان المتداخلة بـين الكمان والأوكورديون تنساب منذ اللحظة الافتتاحيـة للفيلم مع اللون البرتقالي والصورة التي

تستعرض لنا مدينة بـيونس آيرس في إحدى الصباحات الشتائية ، لندخل في صلب القصة مع ماريو سواريـز (لعب دوره

ميغيل آنخل سولا) الذي يعدّ لعرضه المسرحي القادم الذي يتحدث عن تاريخ الأرجنتين الدامي والحرب الأهلية التي أنهكتها،

نكتشف رويداً رويداً أن المخرج يعاني أكثر من أزمة على أكثر من صعيـد، ماريو يعاني من هجران زوجته لورا التي ترفض

العودة إليه في الوقت الذي تعمل معه في الفرقة نفسها، نكتشف مدى المعاناة الإبداعية التي يشكي منها واضطراره إلى اللجوء

لدى أحد كبار الأثرياء للحصول على التمويـل.. في الوقت الذي تنشأ بـينه وبـين إحدى راقصات الفرقة علاقة حبّ تبـدو سوريالية

في ظل العلاقة التي تجمع تلك الشابة إيلينا بالثري المموّل للعمـل، ساورا برع بشكل خيالي في خلط الأوراق جميعها هنا،

بدت الشخصيات أقرب إلى خيالات لم تسمح لنا بالتميـيـز ما بـين العمل المسرحي وما بـين الواقع فعلاً، عبقرية ساورا تجلت في

تلك النقطة التي منحت المشاهد حرية التفسير الواهم لمجريات الأحداث لكنها في نفس الوقعت جعلته أسير الالتباسات التي

تجعله يصل إلى اللحظة الأخيرة في الفيلم دون أن يحظى بأي إجابات قطعية عما يشاهده: هل ما يحدث واقعي؟ وهل يا ترى

ما نشاهده هو تداخل للعمل المسرحي بسيرة مخرجه  أم أن كل هذا ما هو إلا انعكاس لقصة ساورا الحقيقية نفسها؟

كل تلك الأسئلة تدورفي الذاكرة من خلال العلاقات المتشابكة التي ترسمها الشخصيات حتى نصل إلى مشهد البروفة الأخيرة

والذي اختزل من خلاله ساورا كل تلك العبقرية التي تحدثت عنها أعلاه.

ما يلفت الانتباه في الفيلم هو براعة ساورا في تعامله مع المدى اللوني والضوئي بدءاً من اللحظة الأولى والانعكاسات الشاحبة

للمدينة عبر اللون البرتقالي الذي رمز بوضوح لعالم البطل الحقيقي في الوقت الذي آثـر ساورا العمل على موضوع التداخل

ما بـين الواقع وقصة العمل من خلال انعكاسات العتمة والضوء وتداخلها مع رقصات التانغو وأجساد الراقصين المنعكسة بشكل

موهم عبر المرايا في الاستوديـو..بشكل رائع وصل عبره ساورا إلى ذروة التعبـير الفني.

تانغو .. لمحة إبداع عبقري استطاع كارلوس من خلالها تقديم ومضات متداخلة ألغى خلالها المسافات بـين الفن والواقع،

ليقودنا للكثير من التساؤلات التي قدّمها المخرج في إطار بدا بسيطاً من الخارج ولم يتعد أنغام الموسيقى الاسبانية الأشهر،

غيـر أنه حمل في طيّاته الكثير من المدلولات الرمزية التي جعلته بحقّ الفيلم الأجمـل للمدرسة السينمائية الاسبانيـة.

 
Leave a comment

Posted by على 25/01/2011 in سـيـنـمـانـيـا

 

الأوسمة: , , ,

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.